ابن تيمية

38

مجموعة الرسائل والمسائل

بن حنبل أن فلاناً يقول لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا ألف ، فقالت : لا أسجد حتى أؤمر ، فقال : هذا كفر . فأنكر على من قال أن الحروف مخلوقة ، لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقاً لزم أن يكون القرآن العربي والتوراة العبرية وغير ذلك مخلوقاً وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة ، مخالف للأدلة العقلية والسمعية ، كما قد بسط في غير هذا الموضع . والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعاً كثيراً ، والطوائف الكبار نحو ست فرق ، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة أن كلام الله إنما هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال ، وإما من غيره ، وهؤلاء يقولون : إنما كلم الله موسى من سماء عقله أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج ، وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية ، وأن الله لم يخلقها بمشيئته وقدرته في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء ، بل يقولون أن الله لا يعلم الجزئيات ، فلما جاءت الأنبياء بما جاؤوا به من الأمور الباهرة جعلوا يتأولون ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ، ويريدون أن يجمعوا بينها وبين أقوال سلفهم الملاحدة ، فقالوا مثل ذلك ، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ، وهم كثيروا التناقض ، كقولهم أن الصفة هي الموصوف ، وهذه الصفة هي الأخرى فيقولون : هو عقل وعاقل ومعقول ، ولذيذ وملتذ ولذة ، وعاشق ومعشوق وعشق ، وقد يعبرون عن ذلك بأنه حي عالم معلوم محب محبوب ، ويقولون نفس العلم هو نفس المحبة ، وهو نفس القدرة ، ونفس العلم هو نفس العالم ، ونفس المحبة هي نفس المحبوب ، ويقولون أنه علة تامة في الأزل ، فيجب أن يقارنها معلولها في الأزل في الزمن وإن كان متقدماً عليها بالعلة لا بالزمان ، ويقولون إن العلة التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان ، فلا يوجد معلول إلا بعلة تامة ، ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان ، ثم يعترفون بأن حوادث العالم حدثت شيئاً بعد